صديق الحسيني القنوجي البخاري

357

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد اشتملت هذه الآية على ثلاثة أنواع من البديع . الجمع في قوله لا تكلم نفس والتفريق في قوله فمنهم شقي وسعيد والتقسيم في قوله فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا [ هود : 106 ] . فَمِنْهُمْ أي من الأنفس أو من أهل الموقف وإن لم يذكروا قال الزمخشري : لأن ذلك معلوم ولأن قوله لا تكلم نفس يدل عليه وكذا قال ابن عطية شَقِيٌّ هو من كتبت عليه الشقاوة وَسَعِيدٌ أي من كتبت له السعادة وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام تحذير . أخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال : لما نزلت فمنهم شقي وسعيد قلت يا رسول اللّه فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال : « بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له » « 1 » . وقد استدل بهذه الآية على أن أهل الموقف قسمان لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر مسكوت عنه وهو من استوت حسناته وسيآته أو لا حسنات لهم ولا سيآت كالمجانين والأطفال فهم تحت مشيئته يحكم فيهم بما شاء وتخصيص القسمين لا ينفي القسم الثالث . فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا أي الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الكفر وإن تقدم منهم إيمان فَفِي النَّارِ أي فمستقرون فيها لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال الزجاج : الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جدا . قال : وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير والشهيق بمنزلة آخره ، وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل ، وقيل الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف ، وقيل الزفير إخراج النفس والشهيق ردها ، وقيل الزفير من الصدر والشهيق من الحلق . وقيل الزفير ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع والشهيق النفس الطويل الممتد أو رد النفس إلى المصدر والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه . وقال الليث : الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه والشهيق أن يخرج ذلك النفس وهو قريب من قولهم تنفس الصعداء ، والجملة إما مستأنفة أو حالية .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القدر باب 3 .